الرئيسية روايات طويلة رواية عشق ليس ضمن التقاليد الفصل السادس الجزء الاول

رواية عشق ليس ضمن التقاليد الفصل السادس الجزء الاول

الفصل السادس (الجزء الاول)
بيني وبينك الطريق مسدود..
ليس له حد ولا حدود..
بيني وبينك الكره من يقود..
يتولى العرش ويسود..
ويحكم عليك من القلب بمطرود..
بيني وبينك كلمات ليس لها وجود..
الثغر يحكي بنفور كله جمود..
والعين تأمرك في قلبي الخلود..
بيني وبينك لا ينفع الصمود..
ولا يجدي نفعًا الخمود والركود..
بيني وبينك انت الحب المعهود..
رغم كل الكره والحقد المقصود..


لم يطرق صفوان باب غرفة طفليه قبل ان يفتحه ويدخل الى الداخل بل دخل سريعًا لتستقر نظراته على وهج القابعة بغرفة طفليه منذ ان تزوجا.. لن يستئذنها بعد الآن كما كان يفعل كلما دخل الى مكان هي متواجدة به.. فعليها ان تعرف انها بعد الآن ستصبح حقًا زوجته ويجب ان تقصي فكرة الطلاق نهائيًا عن عقلها..
تفاقمت الحسرة في فؤاده وهو يتطلع الى طفليه النائمان في حضن وهج بينما تقوم هي بقراءة القرآن بصوت شجي عذب وتمرر يديها بين خصلات شعرهما لتبث في روحهما الطمأنينة..

تنهد صفوان بحزن رغم معرفته بقدوم اللحظة التي كانت ستفارقهم بها آيات.. ولكن يبقى لها بصمة خاصة في الذاكرة والقلب.. اقترب من وهج لترفع مقلتين متلألأتين بعبراتها وتزفر بحرارة أوجعت قلبه.. جلس بجانبها وانحنى يقبّل كلا من طفليه فتبتسم وهج بحنو وتهمس:
– لا زال الصغير لا يستوعب معنى موت والدته.. يؤلم قلبي حاله.

  • سيفهم مع مرور الوقت.. سيفهم وسيعتاد.
    قال بخفوت وهو يتحسس وجنته الناعمة فسالت دمعة حزينة من عينها على خدّها وهمست بتحشرج:
  • هل بامكاننا التحدث في الخارج؟

اومأ قبل ان يقبّل طفليه ويسير خلفها الى الخارج.. قعد على احدى الارائك فجلست بجانبه وتنهدت بحزم وقالت:
– صفوان.. انا لا اريد الطلاق منك ابدًا.. سأبقى زوجتك وسأكون بمثابة ام طفليك!

تفاجأ فعلًا.. فلم يتوقع ابدًا ان تتحدث هي عن هذا الموضوع.. كان ظنه انه هو من سيتكلم اولًا وسيواجه بعض الصعوبات باقناعها ولكنها استسلمت وبكل سهولة قبل حتى ان يحاول اقناعها او ان يفتح هذا الموضوع معها!
تابعت وهج ببعض الخجل حينما تلّقت الصمت التام منه:
– انا سأحاول أن ألبي كل احتياجاتك وان اكون زوجة جيدة لنخلق جوًّا هادئًا مريحًا للطفلين.. فلا اريد ان أخيفهما او ازيد من وجع قلبهما.. يكفيهما موت أمهما وفراقها!

اخذت نفسًا عميقًا ثم مسحت دموعها واردفت:
– ولكن بالمقابل اريد وعدًا منك انك لن تفكر بالزواج من غيري ابدًا!.. ليس لأجلي وانما لأجل طفليك.. وجود زوجة ثانية غيري سيؤثر عليهما وهما امانة في رقبتي ليوم الدين.. لقد وعدت آيات ان احميهما واحافظ عليهما الى ان يكبرا ويتزوجا ان شاء الله.

  • انا موافق، وأعدك انني لن افكر بالزواج من غيرك وبالمقابل لا اريد ان اسمعك تتكلمين عن الطلاق ابدًا.
    قال صفوان بجدية وقد أثّر به حبها لطفليه الى هذا الحدّ.. تضحيتها هذه سيضعها دائما في كفّ حسناتها بعينيه.. لم تخطأ آيات ابدًا باختيارها لوهج زوجة له وأم ثانية لطفليه..

اومأت وهج له بابتسامة بسيطة:
– ان شاء الله.. سأنقل غدًا كل اغراضك الخاصة الى الغرفة التي يجب ان تكون لنا وسأغلق غرفة آيات ولن افتحها الا حينما يطلب احد الطفلين بالدخول اليها.

هزّ رأسه فغمغمت بصوت مبحوح:
– سأبقى الليلة في غرفة الطفلين في حال استيقظ احد منهما بسبب كابوس او شعر بالخوف.

  • كما تريدين.. تصبحين على خير.
    دمدم ثم استدار ليخرج من المنزل فعقدت حاجبيها ولم تمنح لعقلها ان يفكّر اكثر به بل دخلت الى غرفة الطفلين لتنام بجانبهما.. تضمهما وهي تهمس لنفسها:
  • ما فعلتيه يا وهج هو الصواب.. هما امانة لديك من آيات.. ستعتادين على صفوان.. ستعتادين عليه وستتقبيلنه زوجًا لك!..

ابتسمت خنساء بغيظ لوالدتها التي احضرها قسورة اليه.. فمنذ ان اتت وهي تؤنبها وتوبخها على تصرفاتها امام قسورة البارد.. والمشكلة ان والدتها ستنام في منزلهما اي ستبقى تسمع كلامها اللاذع حتى الغد ولن تقدر على التصرف بحرية مع قسورة.. لا ان تتدلل ولا ان تتصرف بمكرها المعتادة عليه..

  • ما رأيك يا أم فراس بمفاجأتي الجميلة لك؟ بما انني لا يهون عليّ ان تنامي خارج المنزل وانت مشتاقة جدًا لوالدتك احضرتها لتنام في منزلك.
    قال قسورة بهدوء شديد فتطلعت خنساء اليه بغيظ ثم سألت والدتها:
  • كيف سمح لك والدي ان تنامي خارج المنزل؟

  • انا امرأة كبيرة ولكنك شابة صغيرة ومتزوجة حديثًا ويجب ان أدعك تعتادين على تنفيذ أوامر زوجك لانني أعرفك جيدًا يا خنساء.
    هتفت والدها بنبرة ساخرة فابتسم قسورة بتهكم:

  • انا وانت نفهمها جيدًا على ما يبدو خالتي.
    ثم نظر الى خنساء وتابع:
  • ما رأيك يا زوجتي؟

تبرطمت خنساء بحنق وقالت بجفاء:
– انا ذاهبة لأنام لأنني أشعر بالنعاس.

  • لا حبيبتي.. اليوم ستنامين مع والدتك في غرفة الضيوف!
    قاطعها قسورة ففغرت فاهها بعدم تصديق ليسترسل بابتسامة:
  • اريدك ان تشعري انك في منزل والديك ونائمة بأحضان والدتك.. ألم تكن هذه أمنيتك يا خنساء؟

قهقهت والدتها بشدة:
– وانا مشتاقة لها.. سأعيدها لك غدًا بعقل جديد وسليم.. أعدك يا قسورة انني سأستمر بتوبيخها طيلة الليل!

  • أمي!
    صاحت خنساء بقهر فضحك قسورة بخبثٍ:
  • ليلة واحدة يا خنساء وستعودين اليّ كامرأة عاقلة.. وهكذا انا سأرتاح منك قليلًا لأن تحملك صار صعبًا ومتعبًا بعض الشيء!

امتعضت ملامحها وهدرت:
– انا التي سأرتاح منك.. فانا التي تعاني لا انت.. وصدّق انني بالكاد أتحملك!

صمت لتشعر بشيء قاسي يضرب بظهرها فصرّخت بوجع ونظرت الى والدتها التي تحمل بيدها عصاتها الخشبية الصغيرة..
قالت والدتها بحدة ووعيد:
– ترفعين صوتك على زوجك وأمامي؟!.. سأعيد تربيتك الليلة يا خنساء.

  • أمي!
    صاحت خنساء بضيق شديد فاستقام قسورة واقفًا وقال موجهًا حديثه الى والدتها:
  • عن اذنك خالتي.. ابقي مع ابنتك ولا وتنسي ان تفعلي ما اتفقنا عليه.

غمزت له والدتها بعبث فابتسم وغادر ترافقه نظرات خنساء النارية التي تود ان تراه صريعًا امامها وفي التو!

في الصباح الباكر.. لم تعد خنساء تتحمل! لم تغفو عينا والدتها الا بعد ان صلّت الفجر.. قضت الليل تستمع الى نصائحها وتوبيخها وبعض قصصها مع جدتها تارةً.. وتارةً اخرى كانت تطالبها والدتها بسرد احدى قصصها اتي كتبتها عليها واذا لم تفهم شيئًا مما قالته تصرّخ عليها وتخبرها انها بأي عين تسمي نفسها كاتبة وشاعرة!

كادت ان تبكي فعلًا.. الهالات السوداء تحيط بعينيها فمنذ البارحة وهي تحس بقهر شديد من قسورة ووالدتها.. بخطوات مترنحة عادت الى غرفتها هي وقسورة فابتسم قسورة بتشفي حينما رأى وجهها المرهق والذي يبدو عليه النعاس الشديد..
رمقته خنساء بنظرة غاضبة ساخطة وزمجرت قبل ان ترمي جسدها على السرير بجواره:
– أكرهك يا قسورة.. أكرهك!

  • انهضي وأعدي لي الفطور.
    قال ببرود وهو يوكزها بقوة قصدها فصرخت بحنق وهي تضرب بيدها الفراش:
  • أشعر بالنعاس.. دعني انام واذهب وكل في منزل والدتك.

  • انهضي هيا.. انهضي.
    هتف بحدة فانهمرت دموعها من شدة غيظها وعقدت ذراعيها بعناد بعد ان اعتدلت بجلستها على السرير:

  • لن أنهض.. وافعل ما شئت يا قسور!

  • خنساء يجب ان اغادر بعد قليل.. انهضي وكفّي عن دلالك هذا فصبري حقًا بدأ ينفذ.
    تمتم قسورة بعصبية فنظرت خنساء الى الجهة الاخرى ببرود وكأنها لم تسمعه ليصرخ بصوت أفزعها:

  • قلت لك انهضي.. تصرّفي كامرأة عاقلة يا خنساء!

تأففت خنساء بضيق ثم وثبت عن السرير وهي تجفف دموعها بيدها ليهتف قسورة بقسوة:
– اهتمي بوالدتك بغيابي فبعد ان أعيدها بيننا حساب طويل ودفاتر قديمة ستُفتح بأفعالك هذه وتهورك اللا محدود!

قلبت خنساء عينيها وهي تسير الى الخارج دون ان ترد عليه بحرف.. ستأخذ والدتها وتذهب الى منزل جدها بعد ان يغادر وليفعل ما يشاء زوجها العزيز!..


شكرت عائشة الله ان واحدًا منهما ذهب على الاقل.. فهي لن تقدر على تحمل يوسف وأحمد معًا.. الاثنان مخيفان يرعبانها بتصرفاتهما على الرغم من كونهما يحافظان على مسافة بعد بينهما وبينها..
رفعت عينيها خلسةً لترمق شقيق ياقوت يوسف بنظرات متوجسة.. فقد كان يجلس على الأرض وفي يده عصاة يلعب بها في الحجارة بشكل عشوائي..

لقد تعبت من الجلوس على الأرض بهذه الطريقة.. لا تتحرك الا اذا طبت منهما باحراج وخجل شديد ان يفكّا الحبال لسبب خاص يفهمانه سريعًا..
لم تحاول الهروب الى الان فهي تعرف انها لن تقدر على الهروب ما داما يوسف واحمد معًا..
تنحنت عائشة بصوت عالٍ ليحدجها يوسف بنظرة حاقدة ويهتف بنبرة اخافتها:
– ماذا الآن؟

ازدرمت عائشة ريقها بخوف وهمست:
– اريد ان…

قاطعها يوسف بحدة وهو ينهض:
– حسنًا فهمت.. اصمتي الآن.

عقدت عائشة حاجبيها بضيق بسبب كرهه الشديد لها.. هي بريئة وهكذا يعاملها فلو انها حقًا مذنبة ماذا كان سيفعل لها؟ تمنت لو بقي معها أحمد لا هو.. على الاقل أحمد يبدو أرحم من هذا الشرير..
تطلعت الى الجهة الأخرى بينما يعمل هو على فك الحبال عن قدميها ثم حرّر يدًا واحدة من يديها والاخرى كالعادة تركها مقيدة وبقوة وخشونة كي لا تتمكن من الهروب..

سارت عائشة بتوتر لتختفي عن نظراته خلف شجرة كبيرة.. تطلعت حولها تبحث عن شيء يساعدها على فك الحبل عن معصمها.. ولم تجد سوى حجر كبير طرفه حاد قليلًا فأمسكته وحاولت ان تقطع الحبل وتهرب بما انه لوحده..
كانت يدها ترتعش وخفقات قلبها تكاد تسمعها بأذنيها من شدة خوفها.. ابتسمت بغبطة حينما تمكنت من قطع الحبل غير مدركة ان يوسف يمسك به ويشده بخفة كل عدة ثوانٍ ليتأكد من وجودها وعدم محاولتها لفك الحبل والهروب!..

ابتسم يوسف شبه ابتسامة قاسية حينما شدّ الحبل بخفة ووجده بسرعة يُسحب فعرف انها تهرب! شتم ثم بسرعة كان يركض الى المكان التي كانت به عائشة ليلمحها وهي تركض.. صرّخ بأسمها بغضب اشوس فتنتفض برعب وتزيد من سرعة ركضها..
كانت تركض وهي تتطلع الى الوراء لتعرف اذ ما كان يركض خلفها ام لا.. عقدت حاجبيها حالما لم تجده وراءها ولكنها لم تتوقف ابدًا بل استمرت بركضها لتقع اخيرًا على الارض بعد ان اصطدمت بجسد وقف قبالتها فجأة بعنف..

تأوهت عائشة ببكاء وهي تمسك رأسها بألم فلم يؤثر ذلك بغضبه قيد انملة.. حاولت ان تحرّر معصمها من قبضته دون ان تقدر.. اوقفها يوسف بقسوة لتصرخ باستنجاد عسى ان يسمعها احد ويساعدها على الفرار منه فوضع يوسف يده على فمها بقوة وهمس بهسيس:
– قسمًا بالله اذا صرّخت لأقتلك هنا دون ان يرّف لي جفن!
ثم ابعد يده وصرّخ بحدة:
– هل فهمتِ؟

هزّت رأسها ثم غمغمت ببكاء:
– اريد ان اعود.. اتركني.

تجاهل الرد عليها وضغط على معصمها بقوة لتئن بوجع وقهر.. أعادها الى المكان الذي كان يخبئها به فعضّت شفتها السفلى واغمضت عينيها بآسى.. الآن فقط بدأت تحسّ بمعاناة ياقوت.. الخوف والوحدة.. الظلم والقهر..
نظرت عائشة اليه ودموعها تسيل على خدّيها بينما يعيد يوسف ربط الحبال بعنف مقصود..
همست باختناق:
– ليس ذنبي!

  • وليس ذنب ياقوت!
    رد يوسف بخشونة فتنهدت عائشة بمرارة:
  • اعدوني وخذوها.

  • ليس بهذه السهولة.. ليس قبل ان اكسر ظهر شقيقك الحقير بعدم قدرته على استرجاعك!
    قال يوسف بحقد ثم ابتعد عنها واستطرد بتهديد وهو يرفع اصبعه بوجهها:

  • اياك ان تكرري ما فعلتيه الان.. انتِ محظوظة فقط لانني لا اطيق لمسك ولا اطيق وجودك معي والا كنت علّمتك درسًا قاسيًا لن تنسيه!

انكمشت عائشة على نفسها بخوف وبكت بصوتٍ عالٍ ليهتف يوسف بضيق:
– لا تبكي بصوتٍ عالٍ!

رشقته عائشة بنظرات حادّة وهدرت:
– ولله انت لستَ بأفضل منه.. مثلك كمثل ساري شقيقي.. فلا تتباهى وتظن نفسك أشهم منه!

تطلع اليها يوسف وزمجر:
– هل تودين ان تخرسي ام اخرسك انا؟

سكتت عائشة مرغمة ودفنت وجهها بحجرها لتبكي كما تشاء.. بعيدًا عن عينيه الحاقدتين..
سمعت صوت أقدام خيل فعرفت ان أحمد قد عاد بحصانه لتتنهد وتحتد دموعها تدفقًا.. متى سينتهي هذا الكابوس يا الله؟!


اقتربت ياقوت بتوتر من ساري الذي يجلس على الفراش الأرضي ويبدو عليه التفكير العميق.. تنهدت ثم غمغمت بهدوء:
– ساري أمك طلبت مني ان اناديك لتأكل معنا.

رفع ساري عينين شرستين لها فنظرت الى الارض بخوف وارتباك قبل ان تقول بسرعة ما ان رأته ينهض:
– انا سأنزل لأساعدها.

أغمضت عينيها بألم حالما قبض على ذراعها بقوة وأعادها الى الوراء بحركة تعبّر عن غضبه.. تطلعت الى عينيه المظلمتين بتوجس وارتباك وقالت:
– اتركني لننزل.

  • الا زلتِ تشمتين؟
    سألها ساري بنبرة غاضبة فزمت شفتيها:
  • هل رأيتني اشمت الان؟ قمت باخبارك فقط ان تنزل وتأكل!

ضغط ساري على يدها بقوة فصاحت ياقوت بوجع وهتفت:
– اتركني والا سأنادي خالتي هدية.

  • أتهدديني؟!
    همس ساري وكل خلية بجسده تطالبه بأن ينفث عن غضبه بها..
    هزت ياقوت رأسها بلا.. ليست مجنونة لتعرّض نفسها لهذا الخطر وهي بجناحهما ولوحدهما!:
  • لا.. لا أهددك.. انا…

لم يسمح لها ان تتكلم أكثر.. منعها وهو يقرّبها منه بقوة الى ان ارتطم صدرها بصدره..
قال ساري بحدة:
– لا تحلمي ان تري فردًا من عائلتك ما دمت لم اجد ياقوت.

  • وما ذنبي؟ الا يكفي انني معك؟
    صاحت ياقوت بقهر غير مكترثة الى النصائح التي كانت تلقيها على نفسها لتبقى بأمان وتنجو من غضبه اللعين فصرّخ ساري بنبرة مرعبة:
  • لا تصرّخي بوجهي!

  • اكرهك!
    نطقتها بكره ليلقيها ساري بعنف على الفراش الارضي ويزمجر:

  • وكأنني اموت في التراب التي تدوسين عليه! كرهك لا يؤثر بي.. لا يهمني.. حياتك معي انا فقط فإرضي بها.

  • لن أرضى!
    هتفت وهي تعتدل بجلستها على الفراش الأرضي فركع على ركبتيه امامها وقال بقسوة بينما يمرّر يده على خدّها:

  • سترضين.. سترضين يا ياقوت.. سترضين لأن لن يرضى بك غيري.. لا تحلمي بذاك فهو فلم يعد يريدك.. لن يرضى بامرأة متزوجة صارت بجسدها وروحها لرجل غيره.. وليس أيّ رجل!

دفعت ياقوت يده باشمئزاز وقالت بقهر:
– لست لك!.. لا زلت كما انا.. لست زوجتك.. لست!! انا لن ارضى بك يا ساري ابدًا.. لن افعل! هل فهمت؟ وسيرضون بي عشرات الرجال وليس واحد او اثنين يا ساري.. وليس فقط احمد!

تأوهت ياقوت بألم شديد عندما دفعها ساري بغضب وجهر وهو يميل عليها:
– عشرات الرجال سيرضون بك! وتقولينها بكل جرأة؟!.. تتجرأين وتقولينها!

امتدت يده لتقبض على فكها فهزت رأسها بذعر:
– اتركني وابتعد عني يا ساري.. ابتعد فلم اقصد حقًا ما قلته.

  • هل تعرفين ما الذي فعلتيه بنفسك الآن؟ هل تعرفين؟
    صرخ ساري بجنون لينتفض جسد ياقوت وتتدفق دموعها كمياه النهر الناعمة على وجنتيها.. رفعت يديها لتدفعه بعيدًا عنها وتهرب فكبّلهما فوق رأسها بيديه وقال بوعيد:
  • لقد طال الصبر.. طال صبري وحان الوقت لأدعك تصبحين امرأتي بكل ما للكلمة من معنى!

  • لا!! لا!!!
    صرخت بانهيار ليميل على شفتيها ويقبّلها.. قبلة أحستها جمرٌ يكوي أحشاءها.. قبلة كانت بمثابة بداية نهايتها واعدادها لقبرها!.. هزّت ياقوت رأسها بيأس وهي تحاول الفرار منه..
    حاولت ان تحرّر يديها منه فلم تقدر.. صغيرة هي امامه.. بالجسد والعمر.. صغيرة جدًا..

تذكرت فجأة كلمات خنساء بعد ان حاولت الهروب من القبيلة وقبض قسورة عليها وتعنيفه لها.. لقد قالت لها انها لن تقدر على تحمل قسوة قسورة ولكنها تتحمل قسوة اشد من قسوة قسورة.. تتحمل قسوة ساري.. تتحمل غضبه وكرهه لقبيلتها.. تتحمل وحدتها وخوفها الذي يلازمها وهي في منزله.. يكفي انها تنام بجواره على سرير واحد برعب وعدم ارتياح..
تؤلم نفسها وتجبرها على تحمل لمساته بعض الاحيان خوفًا منه وخوفًا من افراد قبيلته.. تتذكر ما قالته خنساء لها في زوبعة الامها الحالية.. تتذكر وتحسد خنساء حقًا فعلى الاقل هي في قبيلتها وليست وحيدة مثلها دون سند!.. بكلمة واحدة من خنساء ستكون العائلة كلها بجانبها.. ولكن هي؟! تناجي وتنادي بقلة حيلة وببكاء ينخر فؤادها دون ان ينقذها احد غير المرأة الطيبة التي في الأسفل.. وليست دائمًا تكون موجودة!
ابتعد ساؤي عنها قليلًا لتهتف ياقوت برجاء باكٍ:
– ارجوك لا! لا اريد!

لم يأبه ساري بما قالته.. يحسّ أنه لم يعد يرى سواها ولا يسمع سوى كلماتها التي اوقدت مشاعره المتملكة الأنانية.. رباه يريدها له حرفيًا وفي هذه اللحظة!.. قيّد يديها الاثنتين بيد واحدة وبالاخرى فكّ حجابها لتصرّخ ياقوت باستنجاد ورعب:
– خالتي هدية.. خالتي.. انقذيني!.. خالتي…

وضاعت حروفها مرة اخرى بين شفتيه لترتجف كغصن شجرة يكاد ان يقع على الارض ويتكسر الى شظايا صغيرة تشبه قلبها المكدوم.. اغمضت ياقوت عينيها الباكيتين بقلّة حيلة فيبدو ان اللحظة التي ستصبح بها فعلًا زوجة ساري قد حانت.. وفجأة سمعت صوت شكرت وجود صاحبته لتنتفض بين يديه بخوف وبكاء:
– اتركها يا ساري.. اتركها!

نظر ساري الى والدته قبل ان يميل على اذن ياقوت ويهمس:
– انتبهي الى كلماتك بعد الان فلن تجدي كل مرة امي تقف بوجهي لتمنعك من تلقي الاذى والعقاب!
ثم ابتعد عنها ونهض بينما لوالدته:
– انا مغادر.. لن اكل.. سلام!

اعادت ياقوت وضع حجابها بارتجاف وهي تعتدل بجلستها فدنت منها هدية بحزن وقعدت بجانبها وهي ترمقها بنظراتها الحانية:
– على ما يبدو ان ذنبك سيقى برقبتي الى ان اموت.. انت وعائشة وغزالة… سأبقى أتعذب بكن!

  • من هذه غزالة؟
    سألتها ياقوت بنبرة مرتجفة فضمتها هدية وهمست بوجع:
  • ابنتي.. اخت ساري وسبب وجودك هنا! غزالة التي طلّقها شقيقك معتصم في صباح اليوم الثاني من زواجهما.. بعد ان أُتفق ان يكون زواجهما هو الصلح بين القبيلتين وانهاء العداوة بينهما.. شقيقك يا ياقوت طلّقها وسبّب لنا الكثير من المشاكل.. كلام الناس وسوء حالتها النفسية…

تنهدت هدية ودموعها تتدحرج على خدّها بآسى على أقسى الأيام الذين مرّوا بها بعد هذا الطلاق القاسي ثم استرسلت:
– عرفنا بعد فترة بحملها فحاول زوجي ان يعيدها الى معتصم من اجل الطفل.. فهل تعرفين ماذا قال شقيقك بعد ان عرف بحملها؟ قال” لا يشرّفنا النسب وحمل امرأة من قبيلة العرّابي بطفلي انه لخزي شديد لي!”
لم تتحمل غزالة كل هذا الكلام وحالتها النفسية تدهورت ففقدت طفلها.. مات الطفل وكانت هي ضحية العداوة بين القبيلتين مثلك انتِ.. ولكن انتِ وجودك هنا ليس بسبب العداوة بين القبيلتين بشكل خاص وانما بسبب ما فعله شقيقك معتصم بأبنتي.. ليس ذنبك ولا ذنبها ولا ذنب عائشة.. دومًا كانوا يقحمون الاناث في العداوة بين القبائل فلا يعاني غيرهن.. دومًا مظلومات يا ياقوت! ولله لا ألومك ولم افكر ابدًا بالانتقام لأبنتي منك.. ولكنني لا أقدر على هذه القبيلة.. انا ضعيفة امامهم يا ياقوت!


يتبع..

اراءكم بالفصل؟
الشخصيات والاحداث؟

قراءة ممتعة..
مع حبي:
اسيل الباش

رايك يهمنا ♥

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.