الرئيسية روايات طويلة رواية روضت الذئب الفصل الاول

رواية روضت الذئب الفصل الاول

الفصلالأول
روضت
الذئب

دائمًا البدايات هى أصل الحكاية…
وهى أصل حكايته…
أول همزة وصل بـ السطور ونقطة الوقف بـ نهاية السطور…

تلاعبت بـ خصلات شعره البنية والتي ورثها عن أبيه..نائم بـ هدوء ملائكي غريب عليه عقب عاصفة الشقاوة التي إفتعلها قبل أن ينام..لتتنهد بـ راحة ثم نهضت تتجه إلى نفس الشرفة كما تعودت مُنذ سنتين وهى تنظر إلى المشهد الساحر أمامها بـ مدينة “غلاسكو” البريطانية

ضمت مئزها إلى جسدها وهى تنتظره..ميعاده الذي لا يخلفه يأتي سريعًا ليلحق معها مشهد الغروب..إبتسمت زهرة وهى تتذكر حياتهما لمدة عامين كاملين أغدق فيهما عليها بـ الحب والأحساس بـ الأبوة الذي تفتقده ولكنه محى كل ما له علاقة بما مضى..دائمًا ما يُخبرها بـ بساطة

-الماضي لو هيكون شوكة فـ ضهرك إمحيه يا زهرة…

ضحكت بـ قوة وهى تتذكر أنه لا يُناديها إلا بـ هذا الاسم فـ هو “عشقه”..يعشق اسمها هذا أكثر من اسمها الحقيقي فـ هو ذات نغمة خاصة له..حتى أنه لا يسمح لها أن تتفوه به بينها وبين نفسها “هكذا أنا مُتجبر بـ عشقي لكِ” كانت هذه إجابته التي جعلتها تبتسم بـ إتساع

لم تشعر إلا بـ تلك اليدين الرجوليتين التي تلتف حول خصرها تجذبها إليه وتلك القُبلة التي لا يتنازل عنها ثم همسة بـ جانب أُذنها بـ صوتٍ أجش

-وحشتيني يا زهرة
-إبتسمت ثم قالت بـ نعومة:وأنت كمان وحشتني مووت
-أدارها إليه وتساءل:بجد!!…

أومأت بـ رأسها عدة مرات ليجذبها إلى صدره ثم هتف بـ خفوت خطير

-خارجة من غير حجابك ليه!!
-وضعت يدها على رأسها ثم تشدقت بـ ذهول:بجد!..والله مأخدتش بالي..إبنك مش سايب ذرة عقل بيا
-رفع أحد حاجبيه وتساءل:هو فين؟
-وضعت يديها اسفل وجنتها وقالت:راح فـ سابع نومة…

نزعت عنه سترته ثم همست بـ رقة

-تحب أحضرلك العشا!
-نفى بـ رأسه قائلًا:لأ مش جعان..أنا بس هاخد شاور وأدخل أصلي
-إبتسمت إحدى إبتسامتها الرائعة ثم قالت:تقبل الله مقدمًا…

لثم جبينها بـ عمق وهو لا يزال يتذكر أولى ذكرياتهم هنا..بـ شهرها التاسع وهى تجلس على فراشها لتجده يدلف إليها بـ إبتسامة تنم عن مدى تردده لتبتسم هى له قائلة بـ مزاح

-الإبتسامة دي وراها حاجة..تعالَ أقعد…

تقدم منها ثم جلس وقال بـ توتر طفيف ناظرًا إلى بنيتيها

-صليتي!…

عقدت حاجبيها لهذا السؤال الذي يسأله لأول مرة ولكنها حافظت على إبتسامتها وهى تقول بـ عذوبة

-الحمد لله صليت
-وضع يده خلف عنقه وتساءل بـ خفوت مُضطرب:طب..أنتي بتحسي بـ إيه لما بتصلي!…

أمسكت يده وقد أدركت ما في نفسه وقد علم أنها أدركت..فـ أحيانًا يشعر بـ تلك الطفلة ما هي الإ إمرأة بالغة النضوج تستطيع الولوج إلى داخله بـ كل سهولة..لتقول بـ رزانة وصدق

-بحس إني أقرب لربنا خاصةً وأنا بسجد..بحس إن مفيش حاجز بيني وبين ربنا فـ بدعي..الراحة اللي بحسها بعد أما بخلص صلاة عمري ما حستها مع حد من البشر
-زي راحتي معاكي!
-إبتسمت قائلة بـ بساطة:تؤ..أحسن منها بـ كتير..النوع دا من الراحة متقدرش تحسه مع بشر أبدًا..كل صلاة بتصليها بتقربك لربنا أكتر…

تثاقلت أنفاسه قليلًا وقد بان عليه خيبة الأمل..الإ أنه قال وهو يُخفض رأسه

-تفتكري أقدر أقرب لربنا!..تفتكري ربنا ممكن يتقبل مني!..يتقبل من واحد زيي!!…

إقتربت منه ثم نظرت إلى بحر عيناه بـ خاصتها مُجبرةٍ إياه على النظر إليها بـ عمق ثم هتفت بـ قوة

-إياك تقول كدا..ربنا بيتقبل توبة أي حد مهما كانت ذنوبة..باب ربنا مفتوح ومبيتقفلش..باب التوبة والغفران عمرهم ما إتقفلوا فـ وش حد..ربنا بيكافئنا على أصغر أعمالنا سواء كويسة أو لأ عشان يقربنا منه..كل محنة مريت بيها ما هي الإ أختبار من ربنا ليك..يا ترى ناوي تسقط فيه!
-ليهدر هو بـ قوةٍ أكبر:لأ طبعًا..كنتي سبب فـ رجوع عقلي ليا..كنتي سبب فـ رجوعي لـ الطريق الصح
-ربنا جعلني سبب لتوبتك يا رائف…

وقتها إبتسم إليها بـ عشق جعل دقات قلبها تتصارع وكأنها بـ سباق ماراثوني..ثم نهض دون حديث ليتجه إلى المرحاض وقبل أن يدلف هتف بـ صوتٍ عميق كـ عمق عيناه

-أنا شوفتك وأنتي بتصلي وبتدعيلي بـ الهداية..وقتها حسيت إن فيه حاجة ناقصة وأنتي هتكمليها…

تنفس بـ قوة ثم قال وكأنه يقر واقعًا

-وفعلًا كان عندي حق..كل النواقص أنتي بتكمليها..أنا هتوضى وهصلي معاكي تاني..وهكون إمامك من هنا ورايح…

ولم يخلف وعده مُنذ ذلك اليوم..فـ هو يستيقظ فجرًا و يُوقظها معه ليصليان ويتحدثان قبل أن يناما..وكم بدت عليها السعادة وهي ترى وجهه يزداد إشراقًا..فـ تلك هى أولى خطوات ترويضه

عادت من شرودها على صوت رائف الذي دلف خارج الغُرفة وهو يُجفف خُصلاته ليقول بـ عبوس

-بقالي ساعة بقول يا زهرة وأنتي ولا هنا
-إبتسمت وقالت:معلش سرحت شوية
-غمزها قائلًا:أتمنى أكون أنا اللي سرحتك
-ضحكت قائلة بـ دلال أذابه:ومن أمتى رائف الأسيوطي محتلش كياني..حتى خلاني فـ وقت قصير أدوب فيه…

تنحنح بـ صوتٍ أجش قبل أن يقول وبحر عيناه يتحول إلى مُحيط عنيف

-هصلي وأجي أسمع الكلام الحلو من شفايفك دي يا زهرتي..منك لله وضوئي هيفسد
-ضحكت وهى تقترب منه قائلة بـ عبث:طب إلحق نفسك قبل ما وضوئك يُنقض يا شيخنا…

إرتفع حاجبيه بـ عبث أكبر من عبثها ثم همس بـ مكر

-حاضر..بس بعد الصلاة..متلوميش غير نفسك يا سكر…

ثم دلف قبل أن يرتكب ما يُنقض وضوئه ولسان حاله لا يكف عن السب لتضحك زهرة بـ قوة وهى تراه أضعف ما يكون أمامها

************************************

بـ تلك الغُرفة الواسعة كانت سُعاد مُستلقية بـ تعب ظهر جليًا على وجهها بعد رحيل حفيدها والتي تمنت أن يُسامحها..لولا شيطانها الذي يتلبسها ما كانت لتتركه أبدًا..أطلقت زفير مُحمل بـ هموم أثقلت كاهلها وهي تقول إلى مُحي إبنها

-أنا عاوزة أشوف رائف قبل ما أموت يا مُحي
-أمسك مُحي كفها ثم قال بـ جفاء:أنتي عارفة أنه مش هيرضى يشوفك يا سعاد هانم..سبيه فـ حاله
-هزت رأسها نافية ثم همست بـ مرارة:حتى أنت بتقولي سعاد هانم!
-إبتسم مُحي بـ سخرية مريرة قائلًا:معملتيش حاجة حلوة تخليني أقولك الكلمة دي…

زفر بـ غضب قبل أن يربت على كفها قائلًا بـ جمود

-نامي..نامي ولا قضي وقتك تستغفري ربنا ع اللي عملتيه فيا وفـ ولادي
-أنت مش فاهم..أنا حاسة بـ أجلي قرب
-تنهد بـ ثقل ثم هتف:وحدي الله ونامي..أنا رايح شغلي…

ثم نهض وتحرك بعيدًا عنها..بـ الرغم من مرور تلك السنتين وقد بدأت حياتهم تستقر عقب الصدمات المدوية التي سقطت على رؤوسهم إلا أنه لم يستطع مُسامحتها..حاله كـ حال الجميع وبـ الرغم من ذلك لم يطاوعه قلبه بـ تركها فـ هي والدته ومهما أساءت وأرتكبت من ذنوب تبقى والدته

تحرك خارج الغُرفة ثم أغلق الباب من خلفه وهبط الدرج ليجد رحمة جالسة و إبنتهما توأم رائف تلك الزهرة التي ذبلت على يد والدته تنام على ساقيها ورحمة تُراقبها بـ شرود وهى تتلاعب بـ خصلاتها البنية التي ماثلت لون شقيقها ولكن بـ درجة فاتحة..تنهد بـ قوة ثم توجه إليهما ليجد زوجته تبتسم بـ إشراق هامسة

-رايح الشغل!
-أومأ بـ رأسه وقال بـ خفوت:أها..وخليكي النهاردة مع نهلة…

إقترب منها وهو يبتلع غصة مُسننة بـ حلقه ليجثو ويربت على خصلاتها ثم لثم وجنتها بـ عمق هامسًا بـ حسرة

-معادها مع الدكتور بكرة؟!
-أومأت رحمة بـ شرود:أيوة..ربنا يشفيها
-أمين…

نطق بها مُحي بـ حرارة..ليعود ويُلثم جبينها بـ عمق ثم جبين زوجته ويرحل إلى عمله..توجه إلى سيارته ثم صعدها وأمر السائق بـ التحرك..وضع يده على جبينه وهو يتذكر إنهيار طفلته ذات يوم

“عودة إلى وقتٍ سابق”

ركض مُحي بـ سرعة البرق وهو يتجه إلى غُرفة إبنته التي ضمها إلى كنفه حديثًا و صوت صرخاتها يصم أُذنيه..حينها حطم الباب ليجدها تتكور على نفسها بـ أحد الزوايا وتبكي صارخة بـ عنف

-إبعدوهم عني..مش عاوزة أشوف حد…

كان إنهيار غير متوقع..فـ عندما تواجهت مع الجميع بدت هادئة ومستكينة ولم يكتشف إلا بعد أن ذهب بها إلى طبيب نفسي وأمره بـ إجراء بعض التحاليل الطبية والتي أظهرت أنها كانت تتعطى مواد مُهدئة حد الإدمان ولم تكن سوى بـ فترة خمول حتى بدأ يستعيد عقلها أحداث حياتها

إتجه مُحي إليها إلا أنها إنكمشت على نفسها أكثر ليتوقف هو للحظات ثم هتف بـ إطمئنان

-متخافيش يا حبيبتي أنا مش هعمل فيكي حاجة..أنا أبوكي..أنا أبوكي متخافيش…

سكن صُراخها الذي تحول إلى شهقات وجسدها الذي يتحرك إلى الأمام والخلف بـ حركات رتيبة لتقول بـ خفوت مُتعجب

-أبويا!!
-أومأ بـ لهفة قائلًا:أيوة أبوكي
-رفعت عينيها الميتتين إليه ثم هتفت بـ نبرة جامدة:بس أنا معنديش أب..ولا أم..هي كانت بتقولي كدا
-عقد حاجبيه وتساءل بـ الرغم من علمه بـ الجواب:هي مين!
-ردت بـ بساطة أصابت قلبه بـ الصميم:سعاد هانم…

أغمض عيناه بـ ألم ليقترب منها بـ خطوات صغيرة جدًا تكاد تكون غير مرئية ليقول بعدما إبتلع ريقه بـ صعوبة

-ممكن تنسيها دلوقتي..خليكي معايا أنا..أنا أبوكي
-صرخت بـ شراسة:قولتلك معنديش أب..مكنش موجود لما أجبرتني أعمل كدا..بقيت شبه بني أدمة..كنت زي اللعبة فـ إيديها لحد أما دمرتني..كنت حاسة إني زي كلب أليف هى بتربيه عشان ينفذ أوامرها وبس…

رفعت رأسها إليه ثم هتفت وعينيها الزرقاء تلمع بـ عبرات أبت أن تنساب

-ولما خدماتي خلصت..رمتني وكأني وباء..أنا تعبانة أوي…

وبـ لحظة كان يجذب رأسها إلى صدره الذي إستكانت عليه بـ هدوء غريب وبقيت تبكي فقط

بعدها أخذها إلى طبيب نفسي الذي أمر بـ ضرورة وضعها بـ مصحة نفسية حتى تستعيد إتزانها..الذي أخذ منهما سنة ولكن تلك الكوابيس التي تأتيها ليلًا وصرخاتها جعلته يعود ويذهب بها مرةً أخرى إلى الطبيب وأخبره أنها تحتاج إلى أن تخضع إلى جلسات العلاج النفسي والذي تقدمه شبه معدوم فـ هي لا تتحدث..حتى الآن

“عودة إلى الوقت الحالي”

تنهد مُحي وهو يعود من ذكرياته ليقول بـ نبرة ظهر عليها العمر

-أنت فين يا رائف وسايبني لوحدي شايل الهم لحد أما ضهري إتقطم…

***********************************

-باب…بباب…

هتف بها ذلك الصغير غيث وهو يتجه إلى والده بـ خطوات غير مُتزنة حتى تلقفه رائف يُقبله بـ عمق هاتفًا بـ حنو

-صباح الخير يا سي غيث..كل دا نايم وسايب بابا لوحده…

ثم قام بـ دغدغة الصغير بـ معدته ليقهقه بـ قوة إثر ما يفعله أبيه..سمعا من خلفهما صوت زهرة تهتف بـ إبتسامتها المُشرقة كـ العادة

-حبيب ماما صحى أخيرًا…
-مام..زهه…

ضحكت زهرة وهى ترى يداه تمتد إليها لتأخذه من بين أحضان رائف الذي قال بـ إمتعاض

-طول عمرك ابن أمك
-ضحكت زهرة قائلة:بتغير يا رائوفتي!
-قبّل جانب حاجبها هامسًا:عليكي…

نظرت إليه بـ خجل وكاد أن يُقبلها إلا أنها تنحنحت مُحذرة وهى تنظر إلى الصغير ليهمس بـ عبث

-مش فاهم حاجة
-رائـ…

تلقف أخر حرف من اسمه بين شفتيها يُقبلها غير عابئ بـ وجود الطفل الذي ينظر إليهما بـ تعجب والذي قرر أن يُشاركهما القُبلة..لتسقط شفتيه الطفوليتين على جانب شفتي والدتها..ليُزمجر رائف بـ غضب مُبتعدًا عنهما وأبعد صغيره قائلًا بـ غضب

-ولا!!..أمك دي بتاعتي أنا بس…

ولكن أحاط الطفل عنق والدته ليهتف بـ حنق طفولي

-تعاتي (بتاعتي) بس
-إتسعت عينا رائف وهو يهدر:لا يا حبيبي أنا اللي لاقيها الأول
-زمجر غيث بـ طفولية:الأول…

كاد أن يرد ولكن وضعت زهرة يدها على شفتيه ثم قالت ضاحكة

-أنت هتعمل عقلك بـ عقل إبنك!
-وأغير من أبوه كمان…

إرتفع حاجبيها بـ عدم تصديق..لتشعر بـ يداه تلتف حول خصرها يجذبها إليه ليهمس وهو يدفن أنفه بـ عنقها

-قولتلك أنت مُتجبر بـ عشقي ليكِ…

أغمضت عيناها وهو يُقبل عنقها بـ بطء ليُكمل بـ حرارة

-ومنها ملكيتي ليكِ..أنتي ليا لوحدي..ومهما بقى عندي ولاد..هتفضلي أنتي طفلتي الأولي…

رفع رأسه ليتحسس وجنتها ثم أكمل همسه وهو يُقبل فكها

-أول بنوتة ربطلها الشوز بتاعها..وأول طفلة أضفرلها شعرها
-ضحكت بـ حنين إلى تلك الذكرى وهمست:كانت أفشل ضفيرة فـ عمري كله
-نظر إلى عينيها بـ عمق نفذ إلى روحها:وهتفضل أحلى ضفيرة فـ حياتي..هتفضل المُفضلة ليا…

وضعت يدها على صدره تتحسس نبضاته الهادرة ثم همست بـ أُذنه

-بحبك
-إزداد تشبث يداه بـ خصرها ليهمس هو الآخر:وأنا بعشقك..وبعشق كل تفصيلة صغيرة منك..حتى عنيكي اللي ورثها إبننا…

كانت عينا الطفل بنية كـ عيني والدته تمامًا كـ خصلاته..ليربت على خُصلات غيث الذي ضحك بـ نعومة ثم تشدق بـ صوتٍ أجش

-بدأت أحسده أنه أخد حاجة منك
-وضعت رأسها على صدره وقالت:بس أنت أخدت حاجة أحسن…

عقد حاجبيه بـ تساؤل إلا ما لبثا أن إرتفعا بـ سعادة وهو يستمع إلى ردها الخافت والذي بدا وكأنه دوي قصف أُذنيه

-أخدت قلبي…

صدقت حينما هتفت بها..فـ هو إمتلك قلبها وكيانها..أصبحت لا تستطيع إكمال حياتها دونه..لتشعر بـ أنفاسه تتعالى وتتحشرج ثم همس بـ صوتٍ ظهر عليه عواطفه

-تعالي نتفرج على الغروب عشان مش همسك نفسي قدام إبنك
-ضحكت وهى تقول:طب يلا
-ليُحذرها بـ صرامة:متضحكيش
-أوامرك مُطاعة يا سيدي…

*************************************

إنحنى على قبرها وهو يبكي لأول مرة بـ حياته بـ قوة..قوة دمرته فقد رحلت بعدما أهدته قطعة منها..ربما كانت تعلم ولم تُخبره..ها هي الذكرى الأولى لموتها..صرخ بـ صوتٍ مجروح

-ليه سبتيني ورحتي!..ليه؟..علقتيني بيكي ورحتي..لما روحي أخيرًا بدأت تهدى تسبيني أنتي وتمشي…

سارت يده على تراب قبرها ثم همس وهو يضع جبهته عليه

-مكنتش أعرف إنك أنانية كدا..كنتي ديمًا بتكلميني عن حياة جديدة ليا وليكي بعيد عن المُستنقع دا..وأنا كنت برفض عشان إنتقامي..ااااه يا سوزي وحشتيني بجد..مكنتش مُتخيل إني أحبك كدا…

وضع رأسه على قبرها وكأنه يضعها على ساقيها كما تعود..بعد مرور سنة على تلك البداية الجديدة والتي أراحت روحه المُرهقة..بدأت تتلاشى بـ رحيلها فـ بعد وضعها لجنينهما ماتت بعدها بـ شهر..الجميع يُخبره أنها أمانة وتسلمها الله ولكنه يعلم تمام العلم أنها قُتلت لما إقترفه هو ورائف..وها هو أول من يدفع الثمن وربما يلحقه رائف

نهض عن القبر وبدأ ينفض قميصه من الأتربة وأزال عبراته ليتجه إلى عربة صغيرته..كانت تحمل ملامح والدتها وكأنها تعمدت أن تُذكره بها..عدا عينيها الواسعتين السوداويتين كـ عيناه..ملس على وجهها الأبيض ثم همس بـ خفوت

-يلا نروح يا ملك..إطمنت على ماما..وأه هي بتسلم عليكي وبتقولك متعيطيش عشان أنتي كدا بتزعلي بابا…

تحركت يديها الصغيريتين بـ الهواء ليقبض عليها بـ أنامله لينحني ويُقبلها ثم همس

-يلا قولي باي لماما…

حرك يديها وكأنه يلوح لها ثم تحرك بعيدًا عن القبر..وضع النظارة الشمسية على ملامحه ثم توجه إلى عمله وهو يصطحب إبنته معه إلى المشفى الخاص بـ عائلة الأسيوطي فـ هو يعمل بها كـ طبيب جراحي بعدما إبتعد عن ذلك العالم وكم أسعد ذلك رائف الذي لم يفقد إتصاله به..رغم أنه أصر أن يعود ويبقى بـ جانب أحمد إلا أنه رفض كي لا يتعرضان إلى مخاطر خاصةً بعد وفاة زوجته

وصل إلى المشفى بـ نفس وقت وصول مُحي..ليهبط بـ هدوء وكأنه لم ينهار مُنذ قليل ثم إتجه إلى مقعد إبنته المُثبت بـ الخلف يحملها و توجه إلى مُحي الأسيوطي الذي إبتسم ما أن أبصر أحمد والصغيرة ملك..ليًصافحه بـ حرارة قائلًا وهو يُداعب وجنة الصغيرة

-صباح الخير يا أحمد..وصباح الخير للأميرة ملك
-صافحه أحمد بـ هدوء ثم هتف:صباح النور يا دكتور مُحي..أخبار سعاد هانم إيه!
-تنهد مُحي وقال بـ جمود:لسه على حالها..لحد أما ربنا يكتبلها الرحمة
-أومأ أحمد بـ تفهم ثم قال:إن شاء الله تتحسن

أخذ نفسًا عميق ثم قال بـ عملية

-يلا يا دكتور..عندنا شغل كتير
-إبتسم مُحي بـ إعجاب وقال:يلا يا دكتور…

كان أحمد قد بدأ العمل بُناءًا على ما طلبه من مُحي..وقد أظهر تفانيًا بـ العمل وقد شجعه مُحي على التخلص من كل عاداته السيئة ومُساعدته بـ بدء حياة نظيفة كما فعل رائف

************************************

وجدته يدلف خارج غُرفة غيث ثم همس بـ إرتياح

-نام أخيرًا…

أومأت زهرة ولم ترد وقد ظهر على وجهها الشرود..ليقترب رائف بـ قلق ثم تساءل

-خير يا زهرة!!..وشك مش مظبوط…

جلس أمامها ثم أمسك يدها لتنظر إلى يده وبعدها إلى عيناه ثم هتفت

-هقولك على حاجة وأوعدني تسمعني للآخر
-تضخم صدره وقال:قولي يا زهرة..متخافيش…

شددت على قبضته ثم همست وهى تنظر إلى زرقاوتيه العميقتين

-مش بتفكر ترجع مصر!…

إرتفع حاجبيه بـ صدمة..وفتح فاه كي يرد ولكن علق الحديث بـ حلقه..حاول أن يتحدث مرةً أخرى دون أن يغضب إلى أنه عجز وقد بدا هذا واضحًا بـ عينيه التي تحولت لأخرى عاصفتين تحملان أعاصير وذراعيه اللتين برزت عروقهما النافرة ليهدر بـ جمود أفزعها

-لأ
-حاولت الحديث معه:طب إسمعني بس

نفض يدها بـ قوة أدت إلى تألمها تعلم تمام العِلم حساسية ذلك الموضوع بـ النسبةِ إليه ولكنه حديث يجب الخوض فيه خصوصًا بـ تلك الأوضاع الخارجة عن الإرادة..فـ نهضت وهمت الحديث إلا أنه قاطعها بـ شراسة

-متقوليش حاجة..أنتي عارفة إني مانع الكلام فـ الموضوع دا…

ثم نهض وإستدار ليخطو خطوتين قبل أن يسمع صوتها الخفيض يقول بـ تردد

-جدتك إتوفت النهاردة…

Sending
User Review
0 (0 votes)

رايك يهمنا ♥

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.