الرئيسية روايات طويلة روايات طويلة كاملة البارون .. “عندما يصبح واقعك هو جحيمك” (+18)

البارون .. “عندما يصبح واقعك هو جحيمك” (+18)

البارون .. “عندما يصبح واقعك هو جحيمك” (+18)

الجزء الاول

“عندما يصبح واقعك هو جحيمك” (+18) أدهم_ألجيزاوى

… كنت أجلس تملئ ملامح الاكتئاب وجهي، وقد تركت العنان لشعر ذقني كى ينمو بغزارة مع شعر رأس غير مهندم، مرتديا ملابس رياضية سوداء غير متناسقة على فراشي داخل غرفتي المظلمة إلا من بعض ضوء النهار المتسلل من بين ستائر الشرفة بمنزل عائلتي بأحد قرى الريف البسيطة، اتفكر بأحوالى البائسة بعد فصلي التعسفي من عملى كطبيب نفسي بأحد المستشفيات الخاصة ضمن مجموعة من الأطباء والعاملين الذي تم فسخ تعاقداتهم بسبب الركود وسوء الأحوال الأقتصادية التى أدت الى الكساد ولجوء المؤسسات الخاصة لتخفيض العمالة الى أدنى مستوى، وهكذا أصبحت أنا أدهم الطبيب العاطل عن العمل الذي وصل الى سن الثلاثون ومازال يسكن بمنزل والديه ويأخذ منهم مصاريف يومه حالى حال الكثيرين غيري ولكن ما يحطمنى حقا هى أحلامي وطموحاتى التى أنهارت قبل أن تبدأ حتي ؛ بينما أنا جالس على تلك الحالة أرتفع صوت هاتفي النقال بتلك النغمة المميزة لوصول بريد أليكتروني لى وهو الأمر الذي أثار دهشتى وفضولى حيث أننى لم أتلق أى رسائل أليكترونية منذ فترة طويلة، التقطت هاتفي اتفقد تلك الرسالة الأليكترونية لأجدها من أحدي المستشفيات المتخصصة بالصحة النفسية بالقاهرة وتدعى مستشفي البارون التخصصي للصحة النفسية، كانت الرسالة مختصرة الى حدا كبير حيث كانوا يعلمونى بأحتياجهم لي للعمل كطبيب مقيم لديهم وحددوا لي مهلة ثمانية وأربعون ساعة للذهاب أليهم من أجل تقديم أوراقي واستلام العمل العمل مرفق بالرسالة عنوان المشفي بأحد الأماكن المنعزلة بأطراف القاهرة فقط دون أرقام هاتف للتواصل ؛ كانت تلك الرسالة كافية لتعطيني شعور الغريق الذي شارف على الاستسلام للموت ثم وجد طوق نجاة أمامه، لم أتردد كثيرا فى التفكير فى قبول طلبهم ولكن أختصار الرسالة وعدم وجود أرقام للتواصل بها بذلك الشكل دفع فضولى للبحث عبر شبكة الأنترنت عن تلك المشفي التى لم أسمع بها من قبل، فتحت محرك البحث وكتبت اسم المشفي ورحت أبحث عنها، لم يظهر لى سوى مواقع تتحدث عن قصر البارون أو المشفى بجواره ولكن لا شئ مما وجدت يشير الى ذلك المشفى الذي بعث لى تلك الرسالة أو الى وجودها من الأساس، أرتبت قليلا فى الأمر ولكننى رغم ذلك أتخذت قرارى وعزمت أمرى على السفر الى القاهرة فهى فرصة لن تتكرر فى ظل ظروف البطالة التى نمر بها ؛ باليوم التالى كنت أهبط من أحد سيارات الأجرة رتيب المظهر مرتديا بذلة رمادية اللون ونظرات شمسية مهندم خصلات شعري وقد قمت بتهذيب ذقني وهندمتها لأقف أمام بوابة المشفي بعد ما يقارب الساعتين من البحث عنها فلم يكن لدى سائق سيارة الأجرة أى علما بمكانها من قبل حتى أننا أضطررنا لسؤال الكثيرين عنها ولكن لا أحد كان يعرف أليها طريقا وبطريقة ما وجدنا أنفسنا قد وصلنا أليها بالنهاية بمنطقة صحراوية نائية ؛ حملت حقيبة أوراقي بيد وباليد الأخري أمسكت بمقبض حقيبة ملابسي أسحبها خلفي حتى وصلت الى البوابة رفعت نظرى نحو كاميرة المراقبة المثبتة أعلى البوابة للحظات ثم طرقت على البوابة بضعة طرقات رتيبة ليفتح لي باب صغير بالجانب الأيسر من البوابة لم أكن قد لحظته من قبل فتوجهت نحوه لأجد رجلا لا يقل عمره عن الخمسينيات ذو شارب كثيف وشعرا أشعث لا يخلو من بعض الخصلات البيضاء وقد غزت تجاعيد الشيخوخة وجهه، وجدته يقف بذلك الباب الصغير برداء موظفي الأمن والحراسة يحمل رقعة مطبوع عليها أسم منذر فتوجهت نحوه محاولا الأبتسام قائلا

– صباح الخير ياعم منذر، أنا ….

= دكتور أدهم .. أنا عندى علم بوصولك !!

… أصابتني الدهشة من علمه بى دون سابق معرفة بيننا بصمت تام مختلط بنظرات حيرة وتعجب، بينما وقف هو ينظر لي متفرسا بوجهى للحظات مما أثار الريبة بنفسي منه قبل أن يقول وهو يفسح الطريق من أمامي

– أتفضل ادخل يا دكتور .. دكتور عزت مستنى حضرتك جوة فى مكتبه

= مين؟ !!

– دكتور عزت مدير المستشفي يا دكتور أدهم

… دلفت الى الداخل من ذلك الباب الصغير ووقفت أنظر للمكان من حولى للحظات لأجد ممرا طويل يؤدى الى مبني متوسط الطول لا أستطيع الجزم أن كان لونه رمادى مختلط ببعض البقع السوداء بفعل الأتربة وبهات دهانته أم أن ذلك هو لون دهانه الطبيعي، كان المبنى مكون من أرتفاع ثلاثة طوابق بكل طابق تتواجد شرفات زجاجية من الداخل ويحدها من الخارج قضبان حديدية يغزوها الصدأ لتجعلها تشبه شرفات السجون، وبوابة صغيرة بأسفل المبني يعلوها لافتة بأسم المشفى لا أكثر، حتى ذلك الممر المكون من بعض الأحجار قاتمة اللون الموضوعة بطريقة رتيبة لم يكن يبعث بالنفوس سوى الأكتئاب حتى وهو يقبع بين حديقة من العشب الأخضر الذي يتوسطه بعض طاولات ومقاعد الجلوس الخاوية تماما مما زاد من تعجبي!! فمن المفترض أن بذلك الوقت يكون المرضي يتجولون بتلك الحديقة ليشعروا ببعض الحرية ويساعدهم ذلك على الأسترخاء، ولكنى لا أرى أحد متواجد على مدى بصري حتى مبنى المشفى، فلتفت نحو ذلك الحارس منذر وأنا أهم أن أسأله عما يثير تعجبي ولكننى وجدته قد أغلق باب البوابة من خلفي ودلف الى ذلك الكشك الصغير المكون من بعض الخشب المهترئ والزجاج المتسخ بجوار البوابة يجلس خلف مكتب قد عفي عليه الزمن ينظر نحو دفتر عتيق أمامه كما لو كنت غير متواجد أمامه خارج ذلك المكتب ؛ كدت أن أدلف أليه ولكننى تراجعت عن ذلك وقررت أن أذهب لذلك المبني لمقابلة ذلك الطبيب المدعو عزت الذي أخبرني عنه الحارس منذر ؛ بدأت أسير بالممر نحو المبني وسط ذلك السكون من حولى الذي يخلو من أى أصوات سوى صوت نسمات الرياح، ولكن ذلك السكون قد أخترقه صوت رنة هاتفي المميزة للأتصال فتوقفت مكاني أخرج هاتفي لأجد أتصال وارد من والدي فأجابته

– ألو

= … م .. نت عا …

– ألو .. ألو يا حاج .. أنا مش سمعك

= … بكة … سة .. و

– ألو .. يا حاج سمعنى؟!! .. أطلع فى حتة فيها شبكة

… نظرت الى هاتفي لأجد أن الشبكة ضعيفة لدي أنا وتكاد تختفي تماما فرفعت الهاتف بيدي هنا وهناك أبحث عن أشارة جيدة كي أستطيع سماع أبي ولكن الأشارة قد أختفت تماما لتنهي المكالمة، ولكننى ظللت أبحث عن مكان أشارة جيدة حتى أعاود الأتصال بأبي ولكن دون جدوى ؛ وبينما أنا اتلفت بهاتفي وقفت متجمدا بمكانى وسقط الهاتف من يدي فزعا حين وقع نظري على تلك الفتاة الصهباء ذات الشعر الأصهب المنسدل مجعدا وهى مرتدية قميص المرضي ذو اللون السماوى المرقط باللون الكحلي و تقف خلف زجاج أحد الشرفات بالطابق الثاني تضع يديها الأثنتين على الزجاج وهى تنظر نحوى بنظرة باردة متبلدة بثت بعض الحيرة بنفسي لبضع لحظات قبل أن أصرف نظري عنها وأنحني لالتقط هاتفي الذي تهشمت شاشته وأنهض مجددا أنظر نحوها فلا أجدها كما لو لم تكن هناك من الأساس !! ؛ لا أعرف لما أنتابني شعور بالقشعريرة وتوجس الرهبة والخوف وكاد يجذبنى ذلك الشعور للمغادرة ومعاودة أدراجي ولكننى عدت أخبر نفسي أن كل ذلك ما هو الى هواجس شخصية بسبب أبتعادى عن قريتى وأهلى ولأننى بمكان جديد، فاكملت طريقي نحو بوابة المبني التى فتحت تلقائيا بطريقة أليكترونية عند وصولى أليها ودلفت الى داخل المبنى !!.